وما السعادة في الدنيا إلا كلمحات البرق تخفق حيناً بعد حين في ظلمات الشقاء ،
فمن لا يرى تلك الظلمات لا يراها ،
وأشقى الأشقياء أولئك المترفون الناعمون الذين يوافيهم الدهر بجميع لذائذهم ومشتهياتهم فلا يزالون يُمعنون فيها ويتقلبون في جنباتها حتى يستنفدونها ،
فيستولي على عقولهم مرض السآمة والضجر ،
فيتألمون من الراحة أكثر مما يتألم التعِب من التعب ،
ويقاسون من عذاب الوجود أكثر مما يقاسي المحروم من عذاب الحرمان ،
وقد تدفعهم تلك الحالة إلى الإلمام بمشتهيات غريبة لا تتفق مع الطبيعة البشرية ولا تدخل تحت حكمها ، تفريجاً لكربتهم وتنفيساً عن أنفسهم
وما هؤلاء المساكين الذين نراهم سهارى طوال لياليهم في ملاعب القمار ومجالس الشراب ومواقف الرهان إلا جماعة الفارين من سجون السآمة والملل ، يعالجون الداء بالداء ، ويفرون من الموت إلى الموت